اسماعيل بن محمد القونوي

462

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وفي الآيتين دليل على النبوة من وجوه ) المراد بالدليل دليل على ما هو اصطلاح الأصول والظاهر وفي الآيتين دلالة على النبوة وحمل الدليل على المعنى اللغوي وهو الإرشاد أي الدلالة ليس ببعيد . قوله : ( الأول ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد وتعليق الوعيد على عدم الاتيان بما يعارض اقصر سورة من سور القرآن ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا « 1 » لمعارضته والتجأوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج ) حاصله أن العرب العرباء مع غاية الفصاحة وتهالكهم على المعارضة قد ثبت إعجازهم وعدم قدرتهم على معارضته بأقصر سورة منه حتى خاطروا بمهجهم واعرضوا عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف ولم ينقل عن أحد منهم الاتيان بشيء مما يدانيه فدل قطعا على أنه من عند اللّه تعالى فعلم به صدق دعوى النبي عليه السّلام علما عاديا فثبت دلالة الآية على النبوة فلا يلتفت إلى وهم من قال بأن عجز طائفة مخصوصة لا يوجب الاعجاز وعدم الاتيان في زمان مخصوص لا يوجب صحة صدق الاخبار بأنهم لا يأتون به فيما يأتي من الزمان بل غاية الأمر ثبوت ذلك بعد انقراضهم إن اختص الخطاب بهم وإلا فبعد انقراض الدنيا انتهى ففيه خلل من وجوه أما أولا فلأن هذا جار في كل معجزة فإن عجز القوم المخصوص لا يوجب عجز من عداهم فلا يثبت نبوة نبي من الأنبياء عليهم السّلام ما لم يظهر عجز كل من بعث إليهم إما بانقراض عصرهم أو بانقراض قوم بعث إليهم فما هو جوابكم فهو جوابنا وأما ثانيا فلأن عجزهم علم بعبارة النص وعجز غيرهم بطريق الدلالة إذ البلاغة والفصاحة وإيراد الكلام قوله : للفصل بالخبر وهو الناس وما عطف على أعني الْحِجارَةُ والمبتدأ وَقُودُهَا [ البقرة : 24 ] أي وقودها الناس والحجارة معدة للكافرين والمصدر اسم ضعيف العمل إذا فصل بينه وبين معموله بشيء لا يصل أثره إليه ولا يعمل فيه . قوله : بعد ما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم : ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ [ التحريم : 6 ] الآية قيل هو ليس بصحيح لأن سورة التحريم مدنية بالاتفاق بلا خلاف وقد اتفق شارحو الكشاف على ورود هذا الاعتراض حتى نسبوا صاحب الكشاف في هذا القول إلى السهو والجواب أنه يجوز أن تكون تلك الآية من سورة التحريم مكية . قوله : بحيث تتقد بما لا يتقد به غيرها فإن نيران الدنيا لا تتقد بالأحجار التي هي غير حجر الكبريت . قوله : وبذل المهج جمع مهجة وهي النفس والروح أي وبذل نفوسهم وأرواحهم بالمقاتلة بالسيوف على أن السيف مخراق لاعب إن لم يمض الحجة حده .

--> ( 1 ) قوله لم يتصدوا لمعارضته أي لم يتصدوا لمعارضته معارضة معتدا بها فإذا لم يكن معارضتهم معتدا بها فكأنهم لم يتصدوا لمعارضته فلا وجه لإشكال البعض هنا .